مسرحية "تخرشيش".. في مساءلة التابو الاجتماعي
فضاء قروي هامشيّ في قلب الغابة، تغيب عنه الرقابة، وتتفكّك فيه بنية الأسرة. الأم الغائبة، التي هجرت بيتها، تترك الأب في مواجهة حمل عبء تربية ابنتيه. هكذا تنفتح مسرحية "تخرشيش" التي عُرضت ضمن فعاليات الدورة الثالثة من المهرجان الدولي للمخرجات المسرحيات في الرباط، التي اختتمت الثلاثاء الماضي.
العمل من تأليف عبد الفتاح عشيق وإخراج مريم الزعيمي، يكشف عن علاقة ينهار فيها الحد الفاصل بين الأبوّة والجريمة، بين الحماية والاستغلال. لا يحكي هذا العمل الفني من خلال لغته الجريئة والكثيفة، جريمة آنية فقط، بل يعمل على تفكيك دورة العنف الجنسي المتوارث. متجاوزاً الطابع الفضائحي للقصة إلى تأمل إنساني مأساوي في الجرح الجماعي حيث يبدو العنف الجنسي في الظل متوارثاً مثل دم ملوّث.
يأتي هذا العرض بعد نجاح حققته مسرحية "فوضى" العام الماضي، لتستأنف فرقة الفكاهيين المتحدين للثقافة والفنون بالجرأة ذاتها على اقتحام المسكوت عنه في المجتمع ومعالجته درامياً في حدود فرجة تقدّم جرعة من الإمتاع الجمالي مع إعادة طرق أسئلة جديدة حول بعض الظواهر الاجتماعية مثل زنا المحارم.
يتجاوز الطابع الفضائحي إلى تأمل إنساني في الجرح الجماعي
يستهل العرض بشخصية أنوار، وهو حارس في دائرة المياه والغابات، يظهر بمصباحه الكشّاف الذي يضيء وجهه الكوميدي وشعره المنفوش. هذه الإضاءة الأولى تحيل على الغوص داخل العتمة، أنوار بنظارتيه الدائريتين وصوته المازج بين الجد والهزل يعمّق الإحساس بوحشة المكان المظلم، فالغابة تحضر بثقل إحالتها الرمزية على العزلة والخوف واللاوعي.
هنا، حيث قدّر للفتاتين أن تعيشا في عزلة تامة. تعمل السينوغرافيا على تعميق هذا البُعد حيث الصخور والحشائش اليابسة مع أوراق الشجر تبدو كأرضية ممهدة لقصة صادمة تحدث متوارية عن الأعين في الخفاء. تتحرك الشقيقتان على الخشبة لتحكيا قصتهما المفجعة بلغة الجسد أيضا، حين يعجز الكلام عن وصف البذاءة.
تسائل الشقيقة الكبرى وتلوم وتصرخ، وهي تمثل العقل الذي بدأ يستعيد القدرة على التسمية، على كسر الصمت، وعلى قول "لا". بينما تتحرّك "محجوبة" داخل ضباب الغموض الجسدي. تستبطن العلاقة مع الأب بوصفها خليطاً من الخوف والحاجة، من دفء زائف وارتباك غريزي.
إنها الضحية التي لم تدرك بعد فداحة الجريمة. تُعبّر الأخت الكبيرة عن الذاكرة الموجوعة التي تتحدث بوعي، بينما أختها الصغرى مأخوذة باللذة المحرمة، وقلقة بين المتعة والخطيئة، بعد تجاوز الأب حرمة العلاقة مع الابنة، بانتهاك جسديهما معا.
هذا التقابل بين الأختين يصنع توتر العرض الداخلي، إذ يصبح الحوار بينهما حواراً بين وعيين متصارعين داخل الضحية الواحدة: وعي يعرف وعيّاً يرفض أن يعرف.
وتظهر شخصية الأب مثقلة بالعجز الجسدي والنفسي، ملامحه المشوّهة، وعرجه، وملابسه المهترئة، وصوته الخشن، جميعها تمثّل بصري لندوب النفس. تشوّه خارجي يعكس تشوّها داخلياً، ويختصر تاريخاً من العذاب والقهر والكبت مع ذاكرة موجعة؛ فالأب نفسه يحمل جرح طفله الداخلي المعتدى عليه أيضاً من طرف العم.
يروي في مونولوغ ساخر تلك الواقعة في ظلال الغابة التي ما تزال تحمل أثرها في الذاكرة. غضب الابنة الكبرى حيال جرائم الأب يجرّها إلى فعل انتقامي بالتواطؤ مع أختها؛ كان ذلك أقوى انتقام ممكن في غياب قدرة على التركيز بحكمة للخروج من أسر هذه الفضيحة الأسرية.
يهوي الأب صريعاً بضربة قاتلة. ومع القلق والذعر المتناميين من ثقل الجريمة وعبء الجثة، تقرّر الأخت الكبرى إخبار الحارس، لكن هذا ما يقود إلى جريمة أفدح وهي قتل الحارس، خوفاً من تسليمهما للقضاء.